محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه اليماني ، وغيره من أهل الكتب الأول : أنه كان من حديث أيوب أنه كان رجلا من الروم ، وكان الله قد اصطفاه ونبأه ، وابتلاه في الغنى بكثرة الولد والمال ، وبسط عليه من الدنيا فوسع عليه في الرزق . وكانت له البثنية من أرض الشام ، أعلاها وأسفلها وسهلها وجبلها . وكان له فيها من أصناف المال كله ، من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة والكثرة . وكان الله قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء . وكان برا تقيا رحيما بالمساكين ، يطعم المساكين ويحمل الأرامل ويكفل الأيتام ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل . وكان شاكرا لأنعم الله عليه موديا لحق الله في الغنى ؛ قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما أصاب من أهل الغنى من العزة والغفلة والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا . وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدقوه وعرفوا فضل ما أعطاه الله على من سواه ، منهم رجل من أهل اليمن يقال له : أليفز ، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما : صوفر ، وللآخر : بلدد ، وكانوا من بلاده كهولا . وكان لإبليس عدو الله منزل من السماء السابعة يقع به كل سنة موقعا يسأل فيه ؛ فصعد إلى السماء في ذلك اليوم الذي كان يصعد فيه ، فقال الله له أو قيل له عن الله : هل قدرت من أيوب عبدي على شيء ؟ قال : أي رب وكيف أقدر منه على شيء ؟ أو إنما ابتليته بالرخاء والنعمة والسعة والعافية ، وأعطيته الأهل والمال والولد والغنى والعافية في جسده وأهله وماله ، فما له لا يشكرك ويعبدك ويطيعك وقد صنعت ذلك به ؟ لو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما كان عليه من شكرك ولترك عبادتك ، ولخرج من طاعتك إلى غيرها أو كما قال عدو الله . فقال : قد سلطتك على أهله وماله وكان الله هو أعلم به ، ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب بالذي يصيبه من البلاء ، وليجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ، ليأتموا به ، وليرجوا من عاقبة الصبر في عرض الدنيا ثواب الآخرة وما صنع الله بأيوب . فانحط عدو الله سريعا ، فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين من جنوده ، فقال : إني قد سلطت على أهل أيوب وماله ، فماذا عليكم ؟ فقال قائل منهم : أكون إعصارا فيه نار ، فلا أمر بشيء من ماله إلا أهلكته ؛ قال : أنت وذاك . فخرج حتى أتى إبله ، فأحرقها ورعاتها جميعا . ثم جاء عدو الله إلى أيوب في صورة قيمه عليها هو في مصلى فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري ، فجئتك أخبرك بذلك . فعرفه أيوب ، فقال : الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها الذي أخرجك منها كما يخرج الزوان من الحب النقي . ثم انصرف عنه ، فجعل يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره ، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء ، ووطن نفسه بالصبر على البلاء . حتى إذا لم يبق له مال أتى أهله وولده ، وهم في قصر لهم معهم محظياتهم وخدامهم ، فتمثل ريحا عاصفا ، فاحتمل القصر من نواحيه فألقاه على أهله وولده ، فشدخهم تحته . ثم أتاه في صورة قهرمانه عليهم ، قد شدخ وجهه ، فقال : يا أيوب قد أتت ريح عاصف ، فاحتملت القصر من نواحيه ثم ألقته على أهلك وولدك فشدختهم غيري ، فجئتك أخبرك ذلك . فلم يجزع على شيء